استهزأ بالأذان وهو شاب فأصبح مؤذنا لمكة حتى مات

 

كان للصحابة الكرام رضوان الله عليهم مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم أحوال ومواقف عجيبة، فمنهم من كان قبل إسلامه معاندًا مستهزئًا، فأصبح من كبار الصحابة وفردًا مؤثرًا فى تاريخ الإسلام والمسلمين.
واليوم نعيش مع واحد من شباب الصحابة الكرام.. اسمه أبو محذورة الجمحى كان مستهزئًا بالأذان يقلده بسخرية، فأصبح بين ليلة وضحاها مؤذنًا للحرم المكى، يجلجل صوته فى أرجاء بيت الله الحرام، وكان عمره حينها 16سنة.
ولنستمع لقصة هذا الصحابى وهو يرويها بنفسه فيقول أبو محذورة الجمحى رضى الله عنه: «لما رجع النبى- صلى الله عليه وآله وسلم- من حنين خرجت عاشر عشرة من مكة نطلبهم، فسمعتهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد سمعت فى هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت». فأرسل إلينا، فأذنَّا رجلاً رجلاً، فكنت آخرهم، فقال حين أذنت: «تعال»، فأجلسنى بين يديه، فخلع عمامتى ومسح على ناصيتى ثم قال: «اللهم بارك فيه، وأهده إلى الإسلام»، فبارك عليَّ ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فأذن عند البيت الحرام».
وفى رواية أخرى: فأرسل فى طلبنا، فلما وقفنا بين يديه خفنا منه، فكنت أكثر خوفا. وفى رواية يقول: «فقمت، ولا شىء أكره إليَّ من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولا مما يأمرنى به، فقمت بين يديه، فألقى على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- التأذين هو بنفسه، فقال: قل: الله أكبر الله أكبر. فذكر الأذان، ثم دعانى حين قضيت التأذين فأعطانى صرة فيها شىء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتى، ثم من بين ثديى، ثم على كبدى، حتى بلغت يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سرتى، ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم «بارك الله فيك، وبارك الله عليك»، فقلت: يا رسول الله مرنى بالتأذين بمكة، قال «قد أمرتك به». وذهب كل شىء كان فى نفسى لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أدرك أبو محذورة الجمحى منذ ذلك الحين أن السخرية واللهو الذى هو سمة لكثير من الشباب لا يصنع رجالًا ولا ينفع الأمة.. فعاد إلى جادة الصواب وبحث عن دور حقيقى فى المجتمع ينفع به الناس ويبلغ نداء الحق.
ومنذ ذلك اليوم أصبح أبو محذورة مؤذنًا لمكة حتى مات، واشتهر عنه أنه لم يكن يحلق مقدمة رأسه، وعندما سئل عن ذلك قال: إن النبى صلى الله عليه وآله وسلم عندما علمه الأذان مسح على مقدمة رأسه، فقال بعدها: «شعر مسه ذاك الكف.. والله لا أحلق هذا الشعر حتى أموت». فوصل شعره إلى نصف جسمه، ولذلك كان يرده جذائل.
وظل يؤذن فى مكة إلى أنْ توفى سنة تسع وخمسين، فبقى الأذان فى ولده وولد ولده بمكة، وقيل: «بقى الأذان فى ذريته إلى زمن الإمام الشافعى».