الافراط فى الغيـ ـرة

 

ما رأى الدين فى الزوج الذى يسئ الظن بزوجته ويفرط فى الغيرة عليها حتى يمنعها من كثير مما أحل الله للنساء وللناس جميعا ؟

أجاب عن هذا السؤال فضيلة الشيخ عطية صقر فى كتابه “حقوق الزوجية” ضمن موسوعة “الاسرة تحت رعاية الاسلام” فيقول: الغيرة على الحرمات بوجه عام أمر محمود شرعا، وله اثاره الطيبة فى صلاح الفرد والمجتمع، ومن المسلم به أن الرجل مسئول عن المحافظة على سمعته، وسمعة زوجته التى اختارها شريكة لحياته، وسمعة الأسرة عامة، وحذر الاسلام من التهاون فى هذا الواجب. والحديث الشريف الذى رواه احمد وصححه الحاكم فيقول: ” ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة، مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذى يقر فى اهله الخبث” وفى رواية اخرى “ثلاثة لا يدخلون الجنة ابدا، الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر”.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا”، ومن الرعاية أن يراقب الرجل سلوك زوجته كما يراقب سلوك أولاده، لكن هذه المراقبة لها حدود حتى لا تنتج نتيجة عكسية، فالمرأة إن لم تكن عندها حصانة من خلق ودين يمكنها أن تتفلت من هذه المراقبة بوسائل قد تتفنن فيها، وقد قالها عزيز مصر منذ آلاف السنين، وسجلها القرآن الكريم “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ”.
وإذا كان الحديث قد حذر من التهاون فى مراقبة سلوك الزوجة، ومن ترك الحبل لها على الغارب فإنه وجهه إلى الاعتدال والتوسط فى ذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم، كما رواه أبو داود والنسائى وابن حبان “إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهى غيرة الرجل على أهله من غير ريبة “، ذلك أن شدة الغيرة تجلب على المرأة سُبَّة، فسيقول الناس، إن صدقا وان كذبا، ما اشتد عليها زوجها إلا لعلمه بأنها غير شريفة، أو فيها ريبة، يقول الإمام على: “لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك”.
إن هذه الغيرة الشديدة تحمله على كثرة الظن السيئ وعلى التجسس، وذلك منهى عنه فى القرآن والسنة، وسوء الظن منهى عنه لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ “، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا” كما نهى الرسول الكريم عن الطروق ليلا للمسافر، أى مباغته لأهله عند قدومه من السفر دون علم منهم، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة”.
فالخلاصة أن الرجل لابد أن يغار على زوجته، ولكن يجب أن يكون ذلك فى اعتدال، فلا يسىء الظن بكل تصرفاتها، مؤولا لاعمالها باديء ذى بدء تأويلا فيه تهمة لان ذلك مدعاة للنفور، بعيد عن الحكمة واللباقة فى سياسة البيوت، ومن ناحية اخرى فان التهاون التام يجعل الرجل فى نظرها صفر على الشمال، لذا فالاعتدال فى الغيرة هو الاساس، وخير ما يساعد الرجل على ذلك أن يختار زوجته ذات خلق ودين.