بشرى المؤمن في الدنيا هل هي الرؤيا الصالحة

 

(بشرى المؤمن) في الدنيا هل هي الرؤيا الصالحة ؟ وما الفرق بينها وبين الحُلْم وأضغاث الأحلام ؟

{ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) }
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
سورة يونس

 

 

قال الشيخ الشعراوى رحمه الله فى تفسير الآيات الكريمة : والبُشرى: من البِشْر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي الجلد؛ لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا جئت للإنسان بأمر سارٍّ تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان بخبر سيِّىء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث السارة أو المؤلمة.

وحين يقال: «بشرى» فهذا يعني كلاماً إذا سمعه السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور؛ لأنه كلام مبشِّر بخير.

وحين «سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن البشرى، قال:» إنها الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ تُرى للمؤمن أو يراها «، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة «.

وقد أوحي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالرؤيا ستة أشهر، وأوحي إليه في اليقظة ثلاثة وعشرين عاماً، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين عاماً، تجد أن الستة أشهر تمثل جزءاً من ستة وأربعين جزءاً.

والرؤيا ليست هي الحُلْم؛ لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهاراً، وليس للشيطان فيه دخل.

والمثل العامي يقول:» الجوعان يحلم بسوق العيش «فإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس للرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئاً يخالف منهج الله، فهذه قذفة من الشيطان.

 

إذن: فهناك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث الأحلام.
البشرى إذن هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تُشْعر خَلْق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحداً أَحبه الله تعالى في السماء،» فيقول الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام: «إني أحب فلاناً فأحبَّهُ. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله يَحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يُوضع له القبول في الأرض» .

 

وساعة تراه مكتوباً له القبول، فالكل يُجمعون على أن في رؤيتهم لهذا المحبوب من السماء سَمْتاً طيباً، وهذه هي البشرى.
أو أن البشرى تأتي لحظة أن يأتي مَلَكُ الموت، فيُلْقي عليه السلام، ويشعر أن الموت مسألة طبيعية، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .

 

{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)} [الرعد: 23، 24] أو ساعة يبيضُّ الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة.
والحق سبحانه يقول: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}[فصلت: 3031] .

 

إذن: فهؤلاء الأولياء يتلقون من فيوضات الله عليهم بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم؛ لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه نوافل فوق الفروض؛ لأن الفروض هي أقل القليل من التكاليف.
وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا تناسب مع حبه لله تعالى؛ فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلِّي بدلاً من خمسة فروض عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهراً أو اثنين، أو يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.

 

وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الود مع الله تعالى، وهنا يفيض الله سبحانه وتعالى عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي:
«من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَهُ التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» .

 

وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها.
هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق.
ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى عليه السلام، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين.

 

وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر موسى جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة.
ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل.