زيد بن أرقم فتى صدقه القرآن مرتين

 

كان الصحابي الجليل، زيد بن أرقم الأنصاري، رضي الله عنه فتى صغير السن لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة، حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، ورغم صغر سنه آمن، وأبدى حماسة شديدة في الدفاع عن الدين الجديد ورسوله، وقد رغب في المشاركة في غزوتي بدر وأحد بجوار رسول الله عليه وسلم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استصغره، ورده عن القتال خوفاً وشفقة عليه ولصغر سنه، وكانت أول مشاهده مع النبي يوم «المريسيع» أو غزوة بني المصطلق.
يقول زيد بن أرقم: «جاء أناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبياً، فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعش في جناحه قال: فأتيت النبي فأخبرته بذلك، ثم جاءوا إلى حجر النبي فجعلوا ينادونه: يا محمد، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، «سورة الحجرات: الآيات 4 و5»، قال زيد: فأخذ النبي بأذني فمدها فجعل يقول: «قد صدّق الله قولك يا زيد، قد صدّق الله قولك يا زيد».
وقال زيد: كنت في غزاة فسمعت عبدالله بن أبيّ بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني، فحدثته فأرسل رسول الله إلى عبدالله بن أبيّ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، «سورة المنافقون: الآيات 1 – 4»، فبعث إليّ النبي، فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد».
ويقول زيد: رمدت فعادني رسول الله، فقال: «أرأيت يا زيد إن كانت عيناك لما بهما كيف تصنع»؟، قلت: أصبر وأحتسب، قال: «إن فعلت دخلت الجنة»، وفي رواية: «إذاً تلقى الله ولا ذنب لك».
وعن زيد بن أرقم قال: أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق فبشرته بالجنة، وإلى عمر بن الخطاب فبشرته بالجنة، وإلى عثمان بن عفان فبشرته بالجنة.
لازم زيد بن أرقم النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده ومجلسه، مما مكنه من رواية بعض الأحاديث، وكان ما زال فتى صغيراً.
توفي زيد بن أرقم بالكوفة سنة 68 هجرية.