سبب نزول قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا

 

وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (التوبة: 102)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: «نكون في الكنّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرنا»، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، وكان المسجد في طريقه، فمرّ عليهم فقال: «من هؤلاء الموثقو أنفسهم بالسواري؟»، فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم، وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم»، فأنزل الله سبحانه وتعالى برحمته: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم».
قال الزهري: «كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً، حتى أموت أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً، حتى خرّ مغشياً عليه، قال: ثم تاب الله عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني، قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلّه بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: «يجزيك يا أبا لبابة الثلث».
اختلف الرواة في عدد الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال بعضهم: «كانوا ستة أحدهم أبو لبابة» وعن قتادة قال: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم»، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً: جدّ بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم..» الآية 103 التوبة، وعن زيد بن أسلم قال: «وآخرون اعترفوا بذنوبهم.. الآية 102 التوبة، هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري منهم كردم، ومرداس وأبو لبابة». وقال بعضهم: «نزلت (أي الآية) في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى السواري عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، توبة منهم من ذنبهم».