صاحب يس

 

بعد إسلامه سأل عروة بن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له صلى الله عليه وسلم: إنهم قاتلوك فقال عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم . وكان عروة محبباً مطاعاً ومسموع الكلمة في قومه .
خرج عروة يدعو قومه إلى الإسلام فرموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله . فلما علم النبي صل الله عليه وسلم قال إن مثل عروة مثل صاحب يس دعا قومه إلى الله فقتلوه .
فمن هو صاحب يس؟
هو حبيب النجار . . وقد ذكرت قصته بالكامل في سورة يس، ولذا لقب بها صاحب يس . وكان حبيب النجار رجلاً من أهل أنطاكية وكان منزله عند باب المدينة الأقصى، وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم عياله النصف ويتصدق بنصف، فلما أجمع قومه على قتل الرسل . . جاء يسعى إليهم من أقصى المدينة يذكرهم بالله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، وكان سعيه هذا خالصاً لوجه الله حيث لم يكن يبغي أجراً ولا مغنماً، بل كان صادقاً وإلا فما الدافع لهذا العناء وهو ليس مكلفاً من الله بالدعوة؟ وقال تعالى وَجَاءَ مِنْ أَقْصى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون * (يس ،20 -21) .
وأخذ يبين لقومه الأسباب التي دعته للإيمان حتى يلين قلوبهم نحو الهدى، وقال لهم أي مانع يمنعني من أن أعبد الله تعالى وحده، وهو الذي خلقني ولم أكن قبل ذلك شيئاً مذكوراً، وهو الذي ترجعون إليه بعد مماتكم فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * (يس 22) .
عقول مغلقة
ولم يكل أو يمل من الدعوة إلى الله أملاً في أن يُحكموا عقولهم فيما يعبدون من حجارة لا تضر ولا تنفع، وتساءل وهو يعلم الإجابة . . .أأعبد من دون الله آلهة أخرى لا تملك من أمرها شيئاً؟؟ لو أرادني الله بسوء فهذه الآلهة لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا تستطيع إنقاذي مما أنا فيه؟ ولو فعلت ذلك سأكون من الهالكين . . . ءَأَتخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرحْمَنُ بِضُر لا تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ إِني إِذاً لفِي ضَلالٍ مبِينٍ * (يس 23)، وتمنى حبيب أن يستمعوا لنصحه ويؤمنوا مثله إِني آمَنتُ بِرَبكُمْ فَاسْمَعُونِ * (يس 24)، فلما نصحهم وثب إليه قومه وقتلوه، فأثابه الله لأنه قتل في سبيله وأدخله الجنة . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنةَ (يس 25) .
ولما دخل الجنة ورأى ما أكرمه الله تعالى به تمنى لو يعلم قومه بالنعيم المقيم الذي هو فيه فيعرفوا الحق ويؤمنوا ويدخلوا الجنة، وقد ذكر قومه بطيبة قلبه ورضا نفسه بالرغم من أنهم قتلوه قِيلَ ادْخُلِ الْجَنةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ* (يس ،25 -26) .
وقد غضب الله على قومه لأنهم كذبوا رسله وقتلوهم وقتلوا وليه، وعاقبهم الله تعالى أشد وأسرع عقاب وما احتاج سبحانه في إهلاكهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم بل الأمر كان أيسر من ذلك، حيث عاقبهم بصيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمر الله فأصبحوا خامدين، أي ميتين وهامدين شأنهم في ذلك شأن النار التي أصابها الخمود والانطفاء، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة . وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بعْدِهِ مِن جُندٍ منَ السمَاءِ وَمَا كُنا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * (يس27 -28) .
الكلمة الأخيرة:
لم نسمع عن رجل كان يملك ما يملكه حبيب النجار من كظم الغيظ والعفو عن الناس والتسامح مع قتلته بل وتمنيِ الخير لهم . وقال عنه ابن عباس: نصح قومه حياً وميتاً.