صحابي سُمي بـ”ذي النور” ودعا له النبي بآية ليهدي قومه فأصبحت له معجزة

 

“اللهم اجعل له آية تعينه على ما ينوي من الخير” هكذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم للطفيل بن عمرو الدوسي، سيد قبيلة دوس في الجاهلية، وهي نفسها قبيلة الصحابي الجليل أبو هريرة، وهو شاعر مفوه، وسمي بـ ” ذي النور”، إذ بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، رزقه الله سبحانه وتعالى بآية معجزة، ليهد بها قومه…فما هي قصته؟
حين جاء الطفيل بن عمرو إلى مكة لم يكن في نيته أن ذلك سيغير حياته للأبد، إذ دخل الطفيل مكة وهو أحد أشراف العرب وسيد قبيلته، فأكرمه سادة قريش وأنزلوه في أفضل منزل، وحذروه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الدوسي في روايته لقصة إسلامه: فقالوا له: إنك قدمتَ بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تَكْلِمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْه، فيقول الدوسي: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوْت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (قطنا) فرَقَاً (خوفا) من أن يبلغني شيء من قوله.
لكن القدر شاء أن يسمع الطفيل بن عمرو الدوسي إذ شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة فسمع بغير قصد كلامه، فيقول الدوسي: “فسمعت كلامًا حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت، وإن كان قبيحًا تركت”، وهكذا جلس يستمع الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عزم الرحيل، وفي طريقه إلى بيته، تابعه الطفيل، فقال له: يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبَى الله ـ عز وجل ـ إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض عليَّ أمرك، قال: فعرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق.
ويروي الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا في كتابه “صور من حياة الصحابة”، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأ له سورة الإخلاص والفلق، فدخل في الإسلام وأقام في مكة حتى تعلم فيها أمور الإسلام وحفظ ما تيسر له من القرآن، وحين قرر أن يعود لقومه، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم اجعل له آية”.
فجعل الله للطفيل نورًا ما بين عينيه كأنه مصباح، لكن خشى الطفيل أن يظن الناس أنها عقوبة وقعت به لمفارقة دينهم، فتحول النور إلى رأس سوطه، واستطاع الدوسي أن يقنع أباه وزوجته بالإسلام فأسلما، لكن دوسًا قد ابطأت في الاستجابة لهذه الدعوة، ويأس منهم، فجاء الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم قائلًا : يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا، ثم قال: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم، يقول الطفيل: فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بخيبر ـ، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
وظل الطفيل بن عمرو الدوسي ملازمًا لرسول الله بعد ذلك، وشارك في حروب الردة، حتى قتل في معركة اليمامة شهيدًا.