معركة اليرموك .. أسبابها ومواقفها العبقرية

 

معركة اليرموك.. تحل اليوم ذكرى انتصار المسلمون على الدولة البيزنطية “الروم” في معركة اليرموك، تلك المعركة التي يعتبرها المؤرخون من أهم المعارك في التاريخ، ويعرفها المسلمون بأنها أولى الانتصارات في سبيل نشر رسالة الإسلام خارج حدود شبه الجزيرة العربية.
ونستعرض في السطور التالية أبرز ما جاء عن تلك المعركة التي تضاف إلى السجل الأسطوري والعبقري لسيف الله المسلول والصحابي الجليل خالد من الوليد.

أسباب معركة اليرموك
تعد معركة اليرموك في العام 15 للهجرة، أولى المعارك التي قادها المسلمون خارج حدود شبه جزيرة العرب، فبحلول عام 630م كان النبي صلى الله عليه وسلم قد استطاع بنجاح توحيد معظم الجزيرة العربية تحت سلطة سياسية واحدة، وحين توفي النبي في يونيو 632، بويع الصحابي الجليل أبو بكر خليفة للمسلمين، والذي نجح في القضاء على حركة الردة وفتح بلاد الرافدين” العراق” وتحريرها من يد الفرس، وفي عام 634 هـ اتجه أبي بكر بفكره نحو الشام وحشد الجند لتحريره من الروم واختار خالداً على رأس الجيش.

ملخص المعركة وسبب تسميتها
وقعت أحداث المعركة في وادٍ بالقرب من نهر اليرموك لذا غلب على تسميتها هذا الاسم، وكان موضع جيش الروم الذي بلغ أكثر من 240 ألف مقاتل في الجهة اليسرى من نهر اليرموك، بينما اختار المسلمون الجهة اليُمنى منه، وكانوا في حدود 40 ألف مقاتل، لما علِم هرقل عظيم الروم أن المسلمين خروجوا لقتاله، جمع أكابر قومه، وقال لهم: (وَيْحَكم، إنّ هؤلاء أهل دين جديد، وإنّهم لا قِبَل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم على نصف خَراج الشام، وإن أبيتُم أخذوا منكم الشّام، وضيّقوا عليكم جبالَ الرّوم)، وأمر الجيوش بأن تخرج لقتال المسلمين، وأرسل يومها عدداً هائلاً من الجُند؛ حيث أمر بخروج الجيوش الروميّة بصحبة الأمراء؛ لمقابلة كلّ أمير من أمراء المسلمين بجيش مَهيب، فبعث إلى كلّ سريّة من سرايا المسلمين عدداً كبيراً من المقاتلين، في حين أنّ عدد الجند في سراياهم لم يُجاوز واحداً وعشرين ألف مقاتل، باستثناء سريّة عكرمة التي كانت تُرابط في أطراف الشام، وكان تعدادها ستّة آلاف مقاتل.
أرسل أبو بكر الصّديق خالداً ليُساند جيش المسلمين في اليرموك، فانطلق إليهم وبرفقته ستة آلاف وخمسمئة مقاتل، ولمّا وصل جند الروم إلى موقع المعركة، نزلوا في الوادي فأصبحوا في خندق مُحاصَر، وقد وصلهم مدد من القساوسة والرّهبان لحثّهم على قتال المسلمين.
قسم خالد بن الوليد جيشه إلى كراديس، وكلّ كردوس يتكوّن من ألف مقاتل، وأمّر على كلّ كردوس قائداً، وجعل قائد قلب الجُند أبا عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وقائد الميمنة عَمْراً بن العاص، وشرحبيلاً بن حسنة رضي الله عنهما، وجعل قائد جيش الميسرة يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، حتّى إذا أقبل الروم باتجاه ساحة المعركة مع مقاتليهم، ذهب خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة في قلب الجند، وقال له: (إنّي مشيرٌ بأمرٍ، فقال: قُل ما أمرك الله أسمعْ لكَ وأُطيع، فقال خالد: إنّ هؤلاء القوم لا بُدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد عنها، وإنّي أخشى على الميمنة والميسرة، وإنّي قد رأيت أن أفرق الجيش فرقتين، وأجعلها وراء الميمنة والميسرة، حتّى إذا صدموهم كانوا لهم ردءاً، فنأتيهم من ورائهم، فقال له: نِعْمَ ما رأيت).

عبقرية خالد
فرّق “خالد” الجيش بخَيْلَيْن، فكان هو على أحدهما خلف الميمنة، وكان على الخيل الأخرى قيس بن هبيرة، وأمر قائد قلب الجند أبا عبيدة أن يتأخر حتى يكون خلف الجيش، فإذا انهزم أحد جند المسلمين ثمّ رآه استحيا منه وعاد للقتال، وأمّر أبو عبيدة مكانه سعيداً بن يزيد رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، ثمّ تبارز الجمعان بعد أن خطب بالمسلمين أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وعمرو بن العاص، وأبو سفيان، وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأخذ جيش الميسرة موضع جيش الميمنة، وأعملوا سيوفهم في جيش الروم حتّى أثقلوا فيهم، وأخذ جيش الميمنة مكان الميسرة، وحينها جاء خبر وفاة أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، واستخلاف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المسلمين، وأنّ عمر جعل قائد الجند أبا عبيدة، وقد أخذ خالد بعدها مكان قلب الجيش، وأعمل سيفه ومن معه من المسلمين في الروم، حتى كان النصر حليفاً لهم.

مواقف من معركة اليرموك
اشتد الكرب على المسلمين عندما أوشك جنود الروم على تدمير جيش المسلمين بعد أن قاموا بمحاصرتهم من كل جانب
فتناول عكرمة بن أبي جهل سيفه واتخذ قرار الموت، فنادى بالمسلمين : أيها المسلمون من يبايع على الموت ؟، فتقدم إليه ٤٠٠ فدائي مسلم وهم من عُرفوا في التاريخ بإسم “كتيبة الموت الإسلامية”،
حينها اتجه “خالد” نحو “عكرمة”، وقال له: ” لاتفعل يا بن العم فإن قتلك سيكون على المسلمين شديد”، فنظر إليه عكرمة وقال: “إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول اللّه سابقة، أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وقاتلت رسول الله في مواطن كثيرة، وأفر من الروم اليوم ؟! إن هذا لن يكون أبدًا ، فدعني اكَفّر عما سلف مني”، وأقبل عكرمة ومن معه على القتال وتفاجأ الروم بأسود جارحة تنقض عليهم لتكسر جماجمهـم، وتقدم الفدائي تلو الفدائي نحو الاَلاف من جيش الروم.
وتقدم عكرمة بنفسه إلى قلب الجيش الروماني، ليكسر الحصار عن جيش المسلمين.
وإستطاع فعلًا إحداث ثغرة في جيش العدو بعد أن انقض على صفوفهم، فأمر قائد الروم أن تصوب كل السهام نحو هذا الفدائي، فسقط فرس عكرمة من كثرة السهام التي انغرست فيه.
فوثب من على ظهر فرسه وتقدم وحده نحو عشرات الآلاف من الروم يُقاتلهم بسيفه، عندها صوب الروم سهامهم إلى قلبه.
فلمّا رأى المسلمون ذلك المنظر البطولي، اختلطت المشاعر في صدورهم، فاندفع فدائيو كتيبة الموت نحو قائدهم لكي يموتوا في سبيل اللّه كما بايعوه.
فلم يصدق الروم أعينهم وهم يرون أولئك المجاهدين الأربعمائة يتقدمون للموت المحقق بأرجلهم، فتراجعوا ولاذوا بالفرار وصيحات اللّه أكبر تطاردهم من أفواه الفدائيين، واستطاعت تلك الوحدة الاستشهادية كسر الحصار عن جيش المسلمين
وبعد المعركة فتش خالد عن ابن عمه عكرمة ليجده وهو ملقي بين اثنين من جنود كتيبته الفدائية وهما:”الحارث ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة”، والدماء تسيل منهم وقد استشهدوا جميعهم في سبيل الله.

إيثار الموت
وصل الحال بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آثروا إخوانهم بحياتهم، ففي غزوة اليرموك قال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفرُّ منكم اليوم؟! ثمَّ نادى: مَن يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة مِن وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدَّام فسطاط خالد حتى أُثْبِتُوا جميعًا جراحًا، وقُتِل منهم خلقٌ، منهم ضرار بن الأزور -رضي الله عنهم-… فلمَّا صرعوا مِن الجراح استسقوا ماء، فجيء إليهم بشربة ماء، فلمَّا قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه. فلما دُفِعَت إليه نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه. فتدافعوها كلُّهم -مِن واحد إلى واحد- حتى ماتوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم.

أكبر حركة هداية في التاريخ
يعرف الأزهر الشريف الفتوحات الإسلامية بأنها أكبر حركة هدايةٍ حصلت في تاريخ البشرية، فبفضلها دخلت شعوب كاملة في الإسلام، ولم يكن الهدفُ من فتوحات المسلمين النهب والسلب وكسب مساحات جديدة من الأراضي كما يحلو لأعداء الإسلام أن يصوروا للناس، وإنما كان الهدف الأول منها رفع الظلم عن الشعوب المقهورة التي كانت ترزح تحت نير الاحتلال الفارسي في الشرق والاحتلال البيزنطي في الغرب اللذَيْن كانا قد أثقلا كواهل أبناء تلك الشعوب بالضرائب، وأذاقوهم ألوان العذاب، وأذكوا بينهم الخلافات المذهبية العقيمة التي راح ضحيتها الكثير من أبناء هذه الشعوب المستعبدة. إذن كان هدف المسلمين من فتوحاتهم هو إزالة القوى الاستعمارية التي كانت تحول دون تبليغ المسلمين للرسالة الخاتمة رسالة الإسلام للناس.