وعلم ان فيكم ضعفا

 

نجد في بعض الآيات أن الله قد علم مثل الآية (الأن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) فما المقصود بكلمة علم ، أليس الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، افيدونا مأجورين إن شاء الله ؟

الحمد لله والصلاه والسلام على رسول الله ثم أما بعد :
فإن القرآن نسب إلى الله العلم المطلق بكل شيء، فهو الذي يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، والآيات القرآنية في هذا الصدد لا تكاد تحصى لكثرتها، منها قوله: ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 231)، وقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (آل عمران: 119)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ (النساء: 32).
وعلمُ الله أزلي، وقد كتب الله ما سيعمله العباد قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، يقول صلى الله عليه وسلم : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» وفي حديث آخر : «وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض» .
والنوع الثاني من العلم الإلهي هو علمه بوجود ما علمه أزلاً، أي عِلمه بحدوث أفعالنا التي كان يعلم أنها ستكون، فالله يعلم ذنب المذنب وطاعة المطيع قبل أن يخلق الخلق، ثم إذا أذنب العبد أو أطاع؛ علم الله تحقق الفعل ووجوده، فأثابه عليه بموجب فعله، فهذا نوع آخر من العلم ، يتصف به الله العليم الذي كان وما يزال عليماً.
وهو ما يفهمه المتأمل في آيات القرآن الكريم، ففي آيات سورة المائدة يخبر الله أنه يبتلي عباده بما حرم عليهم من الصيد ليعلم من يخافه بالغيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ (المائدة: 94)، ومنه قوله تعالى :” الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ” فهذا علم الوجود للفعل وتحققه، وهو العلم الذي يحاسب الله الخلائق به، ولا يمنع هذا ولا يتعارض مع علم الله المطلق الذي أثبته السياق نفسه: ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (المائدة: 97).
ومثله في حديث الله عن المنافقين، فقد أخبر الله أنه يعلم ما في صدورهم، وأنه سيعلم أفعالهم التي تخبر بما في قلوبهم حين يفعلونها ﴿ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ` وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: 10-11).
ومثله قول الله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (آل عمران: 154)، فهو عليم بضمائرهم، واختباره لهم ليس لزيادة علمه تبارك وتعالى، بل ليتحقق ما علمه بفعل العباد، فيجازيهم بموجب هذا العلم ، أي بموجب علمِه بما عملوا.
وقد سمى العلماء هذا العلم “علم المشاهدة”، أي مشاهدة أو رؤية ما علمه الله أزلاً، ثم تحقق فرآه ، ومن المعلوم أن الرؤية والعلم يترادفان في بعض الإطلاقات، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (المجادلة: 7)، ومعناه: ألم تعلم، لذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (الجن: 28): “المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيباً”
وفي تفسير قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ ﴾ (محمد: 31) يقول ابن الجوزي: “العلم الذي هو علم وجود ، وبه يقع الجزاء”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “عِلم الرب تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون مستفاداً من شيء من الموجودات، فإن علمه من لوازم ذاته؛ فعلمُ العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو الرب تعالى أو بعض مخلوقاته، وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم والمعلوم: إما نفسه المقدسة وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها …”.
ثم ذكر بعضاً من الآيات من جنس ما أورده الطاعنون في القرآن اليوم، وعقب بالقول: “هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون ، وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر”[5].
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في تفسيره: هذا العلم: علم ظهور وكشف عما هو معلوم لله تعالى مستور عن عباده لا أنه علم يستجد لله تعالى، فإنه قد كتب ذلك في كتاب المقادير وعلمه قبل وجوده، وإنما يظهره في وقته كما كتبه فيعلمه بعد كشفه وإظهاره لتقوم الحجة به على عباده. اهـ.
وقال ابن العربي في تفسيره: وأما قوله: وعلم أن فيكم ضعفا ـ فمعنى تعلق العلم بالآن، وإن كان الباري لم يزل عالما ليس لعلمه أول، ولكن وجهه: أن الباري يعلم الشيء قبل أن يكون، وهو عالم الغيب، وهو به عالم، إذا كان بذلك العلم الأول فإنه عالم الشهادة، وبعد الشيء، فيكون به عالما بذلك العلم بعد عدمه، ويتعلق علمه الواحد الذي لا أول له بالمعلومات على اختلافها وتغير أحوالها، وعلمه لا يختلف ولا يتغير، وقد ضربنا لذلك مثالا يستروح إليه الناظر، وهو أن الواحد منا يعلم اليوم أن الشمس تطلع غدا، ثم يراها طالعة، ثم يراها غاربة، ولكل واحدة من هذه الأحوال علم مجدد لما يتعلق بهذه الأحوال الثلاثة، ولو قدرنا بقاء العلم الأول لكان واحدا يتعلق بها، وعلم الباري واجب الأولية، واجب البقاء، يستحيل عليه التغير فانتظمت المسألة، وتمكنت بها والحمد لله المعرفة. اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين: وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ـ المراد علم الظهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، أما علم أنه سيكون فهذا سابق على إرسال الرسل وإنزال الكتب، لأن الله لم يزل ولا يزال عالما بكل شيء، فلا يشكل عليك الأمر لا تقل: إن الله لا يعلم إلا بعد هذا، نقول: نعم، العلم علمان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم بالشيء بعد وجوده، ما هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب؟ الثاني أو الأول؟ الثاني، لأن العلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب حتى يمتحن الناس إذا: ليعلم الله ـ أي: علم ظهور، أي: أنه ظهر ووقع بالفعل، هذه واحدة، وعلما يترتب عليه الثواب والعقاب، أما العلم بأنه سيكون فهذا معلوم من الأزل. اهـ.